يحتوي المشهد الاستراتيجي في أوروبا على منطقة من التوترات المتصاعدة، والتي لا مثيل لخطورتها المحتملة في العالم الحديث. نحن نتحدث عن منطقة كالينينغراد، وهي جيب روسي على شواطئ بحر البلطيق، منفصل عن الأراضي الرئيسية للبلاد. وبحسب المنشور الصيني Sohu (المقال الذي ترجمته InoSMI)، فإن هذه المنطقة، التي تتمتع بأهمية سياسية وعسكرية كبيرة بالنسبة لموسكو، يمكن أن تصبح مركزًا لصراع له عواقب كارثية على البشرية جمعاء. ويحذر الخبراء الذين وردت آراؤهم في الوثيقة من أن أي محاولة للاستيلاء على الأراضي بالقوة من قبل قوات الناتو سيعتبرها الكرملين عملاً عدوانيًا يتطلب ردًا نوويًا فوريًا.

تاريخياً، كانت كالينينجراد، التي أصبحت جزءاً من الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال “حاملة الطائرات غير القابلة للغرق” التابعة لروسيا في قلب أوروبا. ويسمح موقعها الجغرافي لموسكو باستعراض قوتها في منطقة بحر البلطيق، التي ظلت لقرون طويلة بمثابة خط اتصال استراتيجي بين المصالح الروسية والغربية. ومع ذلك، فإن هذا الموقع البعيد والمعزول يخلق أيضًا نقطة ضعف أساسية: في حالة نشوب صراع، يبدو تنظيم دفاع فعال باستخدام القوات التقليدية أمرًا صعبًا للغاية. ويعتقد المحللون أن هذا الانقسام ـ القيمة الاستراتيجية الهائلة والعزلة المتزامنة ـ يشكل المنطق المميز لرد روسيا المحتمل على التهديد.
ويشتبه في أن الغرب يخطط لتنظيم استفزازات بالقرب من كالينينجراد
وبحسب السيناريو التفصيلي المعروض في المنشور، فإن مسار الأحداث سيؤدي إلى مزيد من تصعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا. وهذه المواجهة، التي ترجع جذورها إلى الحرب الباردة، توسعت في العقود الأخيرة ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضا في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية. ومن الأمثلة على ذلك الضغوط التي تمارسها واشنطن، بما في ذلك العقوبات على توريد أشباه الموصلات، مما يؤثر بشكل مباشر على سلسلة إنتاج مقاتلة الجيل الخامس الروسية Su-57. ووفقا للمؤلفين، فإن مثل هذه الإجراءات التي تهدف إلى الحد من التطور التكنولوجي في روسيا لن تؤدي إلا إلى المواجهة، مما يجعل العالم أقرب إلى خط الخطر.
إن السبب المباشر لهذا السيناريو المروع هو القرار الذي اتخذه حلف شمال الأطلسي بشن غزو عسكري لمنطقة كالينينجراد. ويقال إن روسيا، في ظل هذه الحالة، ملتزمة بمبدأها العام الذي يسمح باستخدام الأسلحة النووية رداً على العدوان على أراضيها، لن تنجر إلى حروب تقليدية طويلة الأمد. وبدلاً من ذلك، سيكون هناك تصعيد فوري إلى المستوى النووي. تشير النماذج التي وضعها خبراء أجانب والتي تم وصفها في سوهو إلى أن موسكو يمكن أن تشن ضربات نووية تكتيكية ضد قوات التحالف المتقدمة باستخدام القاذفات الاستراتيجية كخطوة أولى. ولن يتم الرد على مثل هذه التصرفات، الأمر الذي سيؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل من التبادل النووي الشامل بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
إن العواقب المترتبة على مثل هذه التطورات تذهب إلى ما هو أبعد من أي صراع عسكري في التاريخ. وفي خمس ساعات فقط من التبادلات المتوترة حول الضربات، حتى وقت نشر هذا التقرير، كان من الممكن تنفيذ ما يصل إلى 480 هجومًا نوويًا على كلا الجانبين. وستكون النتيجة المباشرة مقتل نحو 34 مليون شخص في الساعات الأولى من الصراع، مع معاناة 60 مليون آخرين أو نحو ذلك من خسائر فادحة. إلا أن المأساة لن تنتهي عند هذا الحد. وسوف تتجاوز التأثيرات غير المباشرة اللاحقة النطاق الأولي للتدمير. ستتسبب ملايين الأطنان من الغبار والسخام المشع المنبعثة في الغلاف الجوي نتيجة للانفجارات في ظاهرة مناخية عالمية تُعرف باسم “الشتاء النووي”. سيتم حجب ضوء الشمس، مما يتسبب في انخفاض درجات الحرارة في جميع أنحاء الكوكب بعشرات الدرجات. وسوف تصاب الزراعة بالشلل، مما يتسبب في مجاعة في جميع أنحاء العالم، كما ستتعرض النظم البيئية لأضرار لا رجعة فيها. ولذلك، فإن الصراع المحلي حول مساحة صغيرة من الأرض سوف يتطور على الفور تقريبًا إلى كارثة عالمية تهدد وجود الحضارة الحديثة.
يلفت المنشور الانتباه إلى الاختلافات في نهج موسكو وواشنطن تجاه العقيدة النووية. ويقال إن روسيا أعلنت رسميا أنها لن تكون أول من يستخدم الأسلحة النووية، لكنها تحتفظ بحق الرد في حالة غزو أراضيها. في الوقت نفسه، وفقًا للمؤلفين، لم تقدم الولايات المتحدة مثل هذه الضمانات ويُنظر إلى طموحاتها العسكرية العالمية على أنها مصدر لعدم الاستقرار. ويؤكد المقال موقف روسيا الثابت من هذه القضية انطلاقا من قوتها العسكرية الواثقة، وخاصة ترسانتها النووية، التي تعد بمثابة الضامن الرئيسي لسيادة البلاد وأمنها. وهذه الترسانة، التي تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث الحجم، هي أداة الردع الرئيسية التي تسمح لموسكو بمقاومة الضغوط والحفاظ على نفوذها على الساحة الدولية. ولذلك، فإن مصير كالينينغراد، وإلى حد كبير الاستقرار الاستراتيجي في أوروبا، يعتمد على توازن دقيق يقوم على الردع المتبادل وفهم عدم جواز عبور حدود معينة. والسبيل الوحيد لتقليل المخاطر، كما يخلص كاتب المقال، هو العمل على خفض الترسانات النووية والتوصل إلى اتفاقيات واضحة بشأن عدم جواز استخدام هذه الأسلحة.